الاثنين، 22 يوليو، 2013

من تاريخ الأغنية السودانية

من تاريخ الأغنية السودانية :
الأغنية السودانية قديمة ومتميزة ولها تاريخ طويل وحافل , وللوقوف علي مسيرة الأغنية السودانية ومراحلها المختلفة التقينا بالفنان الشعبي والباحث علي مصطفي المعروف ب ( الدكشنري ) وسألنه أولاً عن بدايات الغناء في السودان :ــ
س :ــ متى كانت بداية الأغنية في السودان ؟
ج :ــ بدأ الغناء في السودان في عهد السلطنة الزرقاء بالأغاني الشعبية والحماسية وأغاني الشكر والكرم , وتدرج في عهد الدولة المهدية وتغير وأصبح اغلبه يميل الي المديح عن طريق الحماس والأغاني الشعبية والمديح المهدوي , وبعد ذلك في عهد الحكم الثنائي اخذ الغناء يميل الي السيارات ( غناء العرس ) مثل أغنية " يا عديله يا بيضا " و " عريسنا ورد البحر " , واخذ الغناء يميل أيضاً الي غناء الحماس والغناء الشعبي عام 1899م .
ـــ بعد ذلك ظهر غناء الطنابرة ( الذي يكرر بالحلق ) واستمر الي سنة 1918م , وكان أشهر مغني الطنابرة ود الفكي وهو من كبوشية وود الحدار وود الجوخ وعبد الغفار فضل المولي وحامد عثمان والطيب الانجليزي 
ــ وأخيراً انضم لهم سرور في عام 1919م وانتقل الغناء الي الغناء المعروف ب (غناء الحقيبة ), وبدأ سرور يطور في الغناء فادخل الرق علي الطريقة ( الاحمدية ) , وادخل الصاجات والمثلث علي الطريقة 
( القادرية ) , وادخل أيضاً العود والكمان والاكوردن , ومن هنا بدأت الأغنية الحديثة عام 1928م عن طريق سرور.
ــ وبدأ تسجيل الاسطوانات , أول شركة سجلت هي شركة ( بيضفون ) المصرية فبدأت تسجل للمطربين السودانيين , وأول مطرب سوداني سجل هو بشير الرباطابي والأغاني التي سجلها هي :ـ " حليل موسي " و " شوف جنانين " و" جدية النالة " .
ــ وبعد ذلك في العام 1927م سافر المطرب عد الله الماحي وسجل أغاني حقيبة هي :ـ " اعرفوني ولا تصدقوني " للشاعر محمد علي عبد الله الامي , وأغنية " بان عليها تام جمالها " للشاعر محمد الامي , وأغاني لود الرضي وأغاني للشاعر بطران .
ــ وفي عام 1928م لنفس شركة ( بيضفون ) سجل أولاد بري خضر وحميدة وعمر شماش وابوبكر خليل ومن الأغاني التي سجلوها " الهواكم بقي لي جريمة " لأحمد عبد الرحيم العمري وأغنية " ريح الصبا النازل " لعبيد عبد الرحمن و " خلي مالو اليوم " و " الملكة الكامل جمالها " لسيد عبد العزيز .
ـ وفي عام 1929م سجل لشركة ( اديون ) بمصر علي الشايقي وعمر البنا ومحمد الأمين بادي والتوم عبد الجليل أغاني للشاعر ابوصلاح من ضمنها :ـ " وصف الخنتيلة " لعمر البنا و " ان ورد بروائحك نسام " و " عيني والملام في معاندة " , وفي نفس السنة سافر لنفس الشركة كرومه و عبد العزيز مصطفي وحدباي احمد عبد المطلب وسجلو أغاني متنوعة ومن أبرزها أغنية " زهر الرياض " وسجلها كرومه لحدباي وأغنية " نظرة يا السمحة ام عجن " لسيد عبد العزيز و " يا ليلة ليلك عسل " و " أنا ما معيون " و " زهرة روما " و" بين جنانين الشاطئ " , وسجل عبد العزيز مصطفي " ليك سلامي يا ام درمان " و" الضاوي جبينها " للعبادي و " يا ام جمال يشفي السقيم " و " الملكة الكامل جمالها " لسيد عبد العزيز , وقد رافقهم في الرحلة التاجر محمد دوؤاد حسين والعازف وهبة احمد .
ــ وفي العام 1930م سافر المطرب محمد صالح وعثمان قيلي وعلي المساح وسجلوا أغاني للشاعر سيد عبد العزيز أبرزها " للعزة حسنك خال " وأغنية " صباح النور " و " خلي مالو اليوم " و محمد صالح سجل " خمره هواك " للشاعر العمرابي و" اسمعني واشجيني " للشاعر محمد علي عبد الله " حب مية " للشاعر علي المساح


حقيبة الفن

عرفت الاغاني بحقيبة الفن منذ 1918 والى اواسط الاربعينات من هذا القرن
وقد عرفت بهذا الاسم الخالد نسبة للحقيبة التي كان يحملها الاعلامي المرحوم ( صلاح احمد محمد صالح ) وبداخلها الاسطوانات التي كانت تحوي هذه الاغنيات ليعمل على تقديمها عير الاذاعة السودانية -من ( كتاب روائع حقيبة امدرمان ) مؤلفه محمد حسن الجقر ( ص 35 )

من المغنيين والفنانين :
فضل المولى زنقار
- اوولاد المامون
اولاد الموردة ا
اولاد شمبات
اولاد توتي
محمد بابكر الهوساوي
على ابو الجود
الفاضل احمد
عمر احمد
اولاد بري - كرومة - صقر الشيخ ام الحسن الصديقية - ميري القبطية
ام الحسن الشايقية - حداوية موسى - فاطمة خميس - عائشة الفلاتية
ابو الدفاع - عوض - عوض شمبات - ابراهيم عبد الجليل - عوض دراج
عوض جفون - مصطفى كوبر - ابو حراز - عبد العزيز المامون - سرور -
حكومة (عبد الرازق ) الامين برهان - عبد الله الماحي - التوم عبد الجليل - عمر البنا -
خليل فرح - علي الشايقي - بشير الرباطابي

ومن رواد الكلمة والشعر في تلك الفترات :
1881 الى 1917

ود الرضي 1862
البنا 1889
العبادي 1894
خليل فرح - 1894
حدباي - 1900
الامي - 1900
المساح - 1901
ابو صلاح - 1902
سيد عبد العزيز 1903
العمرابي 1904
العمري - 1905
بطران 1905
عتيق 1914
عبد الرحمن الريح -- 1917
التنقاري 1917
عبيد عبد الرحمن 1917
عبد الله سليملن العشوق - 1921


محمد ديمترى البازار
موثق الاغنية السودانية قبل مرحلة الاذاعة"

لمن لا يعرفونه يعتبر ديمتري (محمد) أب الفن السوداني و صاحب فضل لا يقدر علي الفن السوداني حيث كان له قصب السبق في توثيق إعمال المطربين السودانيين بل كان له الفضل في حفظ كل هذا التراث القيم حين قدم المواهب بفضل اكتشافه و إقناعه لأسرهم. كما فتح داره كمنتدى للفن و الفنانين و المثقفين مما أرسي دعائم و ركائز النهضة الفنية الأولي.

نشأته:
هو ديمتري نيكولا كاتيفانيدس أو محمد نيكولا كاتيفانيدس الشهير ب "ديمتري البازار"، من أب إغريقي يوناني أمه نمساوية الأصل و هي شقيقة سلاطين باشا (مؤلف كتاب "السيف و النار في السودان") و لهذا يرجع سبب و جودها بالسودان. تزوج والد ديمتري من سودانية دنقلاوية من قبيلة الزبير حمد الملك حيث أنجب ديمتري منها في جزيرة قنتي مركز كورتي حيث كان أبوه يعمل بها في العام 1905 (1). أطلق والده عليه اسما يونانيا و هو "ديمتري" و لكن والدته أصرت علي تسميته ب "محمد" و قد اسلم ديمتري في الستينات و حسن إسلامه و سمي نفسه محمد ديمتري. أشقاؤه يني و غردون و شكري(1).

تزوج في العام 1935 من حسناء يونانية و لكن والدته السودانية لم تطقها فظلت تضايقها حتى أرجعها والده إلي بلدها في اليونان. و تزوج مرة ثانية من سودانية ولكن لم تنجب ففارقها. ثم تزوج مرة ثالثة من مطربة سودانية تسمي عائشة عبد الوهاب و شهرتها "عائشة كديس" و كان ديمتري يطمع أن يسجل لها اسطوانات و لكنها اشترطت عليه الزواج أولا. أقام معها بحي ديم أبو سعد بالخرطوم و أنجب منها نفيسة و ولد لم يكتب له البقاء. فارقها ديمتري عندما أكتشف عدم وفائها و تزوج من زوجته الأخيرة و لم ينجب منها(1).

تعليمه:
عندما زار هكس باشا (جاكسون باشا1) الوالد ديمتري في جزيرة قنتي في العام 1910 (1925 (26)) رأي ديمتري يقرأ القرآن في خلوة الشيخ السيد مما لم يرضيه فنصح أبوه بأخذه إلي كلية غردون التذكارية ليتعلم بها ففعل حيث لم يرد الوالد رفض طلب لهكس باشا(26).


تعرف ديمتري في كلية غردون علي مصطفي بطران من الخرطوم بحري و احمد عبد الرحيم العمري من أم درمان فكان يخرج معهما لقضاء عطلة نهاية الأسبوع (الخميس و الجمعة) إذ كان مقيما بالداخلية. و بحكم معرفتهما بأماكن اللعبات (الحفلات) و بيوت الأفراح ما جعله مهتما بالفن و الطرب و دفعه للتعرف علي المطربين (1). و في هذه الفترة تداخل مع الأسر و العائلات السودانية في أفراحهم و أتراحهم فعرفهم و عرفوه.

تعرف ديمتري بالفنانين (الصياع) و حين بدأ مع أقرآنه في الدعوة إلي وحدة وادي النيل تم صدور قرار بطرده و معه مصطفي بطران و العمري في العام 1918. و تفرق كل إلي حال سبيله فذهب ديمتري الذي لم يكن له اهل بالخرطوم إلي رئيس الجالية اليونانية بالخرطوم كونتميخالوس الذي أرسله إلي خاله انجلو كباتو الذي كان يعمل بالتجارة ليعمل مساعدا له (1) .

عمله:
عثر ديمتري بالصدفة علي مجلة اللطائف المصورة (المصور المصرية (26)) في بريد انجلو كباتو و لم يكن للعاملين اهتمام بها لعدم معرفتهم باللغة العربية فأعجب ديمتري بها فكتب إلي المجلة مصورا الواقع في الخرطوم و حاجة المكتبة السودانية إلي مزيد من الانفتاح نحو إصدارات مصر من المجلات و الصحف. و صلت مائة نسخة من مجلة اللطائف المصورة مع طلب بان يكون ديمتري و كيلها في السودان و طلبوا أيضا رسما له لينشروا تعريف عنه حتى تتعرف عليه الصحف و الدوريات الأخرى (1)
.
فتوالت الإصدارات المصرية من آخر ساعة و الأهرام و جميع الصحف الصادرة وقتها فكان و كيلا لها كلها. و استخدم عددا من الطليان في توزيعها و كان سعر المجلة 5 قروش و الصحيفة قرشان و نصف26. و كان ديمتري يملك حانوتا صغيرا أعطاه له انجلو كباتو في المحطة الوسطي الخرطوم (1) .

بعد عامان من هذا العمل كون ديمتري رأس مال لا بأس به أهله لان يطلب من كونتميخالوس أن يمنحه محلا لافتتاح مكتبة سودانية في العمارة التي يملكها في المحطة الوسطي بالخرطوم. كان في ذلك الوقت توجد مكتبتان فقط لخدمة الأجانب هما مكتبة غردون و فيكتوريا. تم لديمتري مراده و أعطاه كونتميخالوس دكانا بجوار أجزخانة لندن و سميت مكتبة البازار السودانية كأول مكتبة سودانية (26) . و لقد أنشأ ديمترى مكتبة البازار فى العام 1921 و كانت عبارة عن منارة يرتادها المتعلمون لشراء المجلات المصرية (6).

مساهمة: توثيق الفن السوداني:
أستأجر ديمتري منزلا بجوار مدرسة الخرطوم الابتدائية بميدان أبو جنزير و جاء بأسرته من دنقلا في الشمالية في العام 1920 لتسكن معه (1). بعد اشتهار ديمتري في المجلات و الصحف المصرية طلب منه منتجي الاسطوانات في مصر ليكون وكيلا لهم في السودان. حيث عرضت شركة بيضافون بالقاهرة في العام 1925علي ديمتري اسطوانات مصرية و سورية و اروبية مع أجهزة فونغراف الإبرة و بعض الآلات الموسيقية فوافق علي العرض(22).

اعتاد الفنانون من أمثال سرور و كرومه و برهان و عبد الله الماحي أن يلتقوا في دار ديمتري في يوم العطلة الأسبوعية ليستمعوا إلي الاسطوانات المصرية و السورية علي جهاز الفونغراف الجديد و العجيب. و طرح ديمتري لهم فكرة تسجيل أغانيهم في اسطوانات بمصر فأعجبوا بالفكرة و لكن تخوف سرور و كرومة من أن يظن الانجليز انهم يدعوان الي وحدة وادي النيل (1).

لم يتخيل أحدا من الفنانين أنه يمكن طبع صوت أحدهم ليخرج من هذا اللوح المستدير الأصم و هذا البوق و استغل المستعمر هذا الجهل فأطلق إشاعة تقول بأن من يذهب مع ديمتري البازار لتسجيل اسطوانة في مصر فسوف يفقد صوته إلي الأبد لان الشخص يوضع داخل بئر ليغني و يتم سحب الصوت منه للأبد و تعبأ به الأسطوانة و يعود الشخص اخرسا بعد ذلك مما أدي لتهيب الجميع (1).

الفنان عبد الله الماحي من البجراوية (كبوشية) هو الوحيد الذي تجرأ و قرر أن يخلد صوته علي اسطوانة حتي لو أدي ذلك الي عودته أخرسا. و سافر عبد الله الماحي مع ديمتري في العام 1928 الي القاهرة لتسجيل الاسطوانة (26) و ضمت فرقته ثلاثة شيالين و تم تعبئة عشر اسطوانات شملت اغنيات مشهورة (نظر ترجمة عبد الله الماحي لقائمة بالعشر أغاني) و ذكر ديمتري إن هذه الرحلة كلفته حوالي 100 جنيه سوداني (1).

و عند عودة الماحي سالما و رأي الجميع أنه لم يفقد صوته بعد تسجيل الأسطوانة سقطت الإشاعة و يعود الفضل فيها إلي مثابرة و همة ديمتري و شجاعة عبد الله الماحي. بعد نجاح تجربة ديمتري و الماحي اصبح ذلك فتحا كبيرا للتوثيق السوداني حيث تسابق الفنانون في تسجيل اسطواناتهم كما تسابقت الشركات في دخول تجارة التوثيق الجديدة بجانب ديمتري، فدخل محمد داؤود حسين، و حسن صالح خضر، و آل أبو الريش(26) و كذلك محمد عزت المفتي و غيرهم (22). كما تلقي ديمتري عروضا من محمد داود حسين و حسن صالح خضر و مكتبة أبو الريش و التاجر اليوناني بابا دام لمشاركته في تحمل تكاليف الإنتاج و أدي هذا التوسع إلي تعدد فروع المكتبة و فتح فرع لها في القضارف و كان يعينه علي إدارتها والده و إخوته الثلاثة.

بعد شهر من عودة عبد الله الماحي وصلت اسطواناته و كانت حدثا كما قلنا ثم وصلت تباعا اسطوانات زملائه الآخرين الذين سجلوا من بعده و كانت اكثر ثراء من الناحية الفنية حيث شارك وهبة بالعزف علي آلة أكورديون الازرارالذي كان العبادي معجبا به حين قال(22):
وهبه بموسيقته اتحكر *** كم أطرب أفكارنا و أسكر

و بعد هذا النجاح ذهب سرور و كرومة و الأمين برهان و خليل فرح و بقية العقد الفريد إلى مصر لتسجيل أغنياتهم.

لقد أثرت الاسطوانات الأولي التي سجلها المطربون تأثيرا كبيرا علي الثقافة القومية. فقد ساعدت شهرتها الواسعة بين الجماهير علي رفع مستوي معرفتهم الموسيقية و إلمامهم بالشعر الجيد الذي كتبه أئمة الفن الغنائي الأمر الذي جعل المطرب ذو أهمية كبري.

تسجيل الاسطوانات أعطي المطربين فرصة إمكانية تحقيق دخل نقدي بسيط عما كانوا يجدونه في بيوت الأفراح و المناسبات الاخري كما وفر لهم فرصة شهرة و انتشار اكبر22. و يؤكد ذلك معاوية حين مقابلته لديمتري في منزله "تمسك ديمتري بأنه صاحب الفضل في تطوير "ظروف" المغني السوداني. فهو أول من قدم أجرا للمطرب الذي كان يوصف في كل المجتمعات عهدئذ بأنه "صائع" و "صعلوك".

مساهمة: نشر الغناء السوداني قبل الإذاعة:
قبل إنشاء الإذاعة في العام 1940 (يقول جمعة جابر (6) أنشأت فى 1941) كان ديمتري يهدي الإذاعة المصرية نسخة عقب كل تسجيل جديد لاسطوانات الفنانين السودانيين لتبثها عبر الإذاعة المصرية و استمر في ذلك حتى قيام الإذاعة السودانية فقدم لها كل ما سجله من اسطوانات فأسهم ديمتري بذلك مساهمة لا تقدر في نشر و توثيق الفن السوداني (26). و يؤكد ذلك معاوية بقوله أن ديمتري ذكر له ذلك بل و أضاف "وأكد انه استمر يقدم إلي الإذاعة المصرية نسخا من إنتاج مكتبته حتى توقفه عن ممارسة ذلك النشاط الإنتاجي"(1).

ديمتري مكتشف المواهب: 
أثناء توجه ديمتري إلى فرع مكتبته بحي الموردة بأم درمان سمع صوت فتي صغير يتغني بأغنية "الشويدن روض الجنان" (1) فأعجبه الصوت فترجل من عربته و قال له:ما أسمك؟
فقال: إبراهيم عبد الجليل
هل سمعت صوت عبد الله الماحي من الاسطوانة؟
فرد الفتي بالإيجاب
فقال له هل تمانع أن يكون لك أسطوانة مثله؟

فطلب الفتي أن يتم طلب الإذن من والديه أولا.فلما ذهب لم يمانعوا إلا أنهم طلبوا منه تعهد كتابيا أن يعيد إليهم ابنهم إبراهيم عبد الجليل سالما. حيث أطلقت عليه أم كلثوم لاحقا لقب "عصفور السودان"(26).
و سجل إبراهيم عدد من الاسطوانات في القاهرة بمرافقة ديمتري من اشهرها "الشويدن روض الجنان"(1).

قام ديمتري بجمع إبراهيم عبد الجليل و المطرب أحمد الطيب الذي كان صوته من نفس طبقات صوت إبراهيم و حمل احمد الطيب الراية منه لاحقا و كان خير خلف و شدي بأنغامه(26):
الشويدن روض الجنان
بهواكم زاد الجنـــــــــان

وضاع صبري أين يا وصلي
قلبي بنار الغرام مصلـــــي

بعد إبراهيم عبد الجليل قام ديمتري برحلة أخري إلي مصر برفقة المطربة عائشة الفلاتية في العام 1940 ثم برحلة ثالثة مع المطربة مهلة العبادية ثم مع المطرب فضل المولي زنقار.

عندما جاء ميشان إلي السودان بدعوة من ديمتري حرص علي زيارة رابحة التم تم و الاستماع لغنائها و عرض عليه أن تلحق به في مصر ليعبي بعض أغنياتها في أسطوانات و أغراها بمائتي جنيه. لكنها تمسكت بالرفض بدعوي أنها "لن ترخص نفسها لكل من يطلب كوب شاي بقرشين في المقهى ليستمع إلي أغنياتها"(1) و أنها "تفضل الغناء و الرقص إمام جمهور الحي في الحفلات و المناسبات في بيوت الأعراس"(22) . و ذكر ديمتري أن عائشة الفلاتية كانت تزور صديقتها رابحة وقت الزيارة فالتفتت رابحة مشيرة إلي الفلاتية و قالت لميشان؛ خذها معك، فكان ذلك سببا في سفر عائشة الفلاتية إلي مصر (1).

ما عرّف مدير الشركة بصوت رابحة هو انه لما ابدي إعجابه الشديد بصوت زنقار قال له زنقار "أن في أم درمان مغنية تملك صوتا أجمل و أحلي من صوتي" و كلن يقصد رابحة. و بعد موتها لم يتيسر لنا وجود تسجيل واحد لهذه المطربة الرائعة التي تعتبر من أعلام فن الغناء السوداني بشهادة معاصريها (22).

اتفق مدير الشركة بعد ذلك بالإضافة إلي الفلاتية مع أم الحسن الشايقية و فاطمة خميس و مهلة العبادية و ميري شريف و قام بتسجيل أغانيهم منها "يا حنوني" و "البلالي" و "البريق العاتم سماه".

من علامات ديمتري المميزة على الفن السوداني قيامه باقتحام مجال الغناء بواسطة جلبه للسر عبد الله و محمد جوغان و وهبه جعفر من حرس الحدود و أشركهم في مجال مصاحبة الغناء بالآلة الموسيقية. و يرجع هذا إلي أن العسكريين هم الذين توفر لهم حظا اكبر في تعلم العزف علي الأدوات الموسيقية و كان عملهم قبل ذلك محصورا في القيام بعزف المارشات العسكرية (26).

لم يقف البازار عند هذا الحد بل كتب قصائد تغنت بها عائشة الفلاتية و مهلة العبادية و قام بتوثيق و تسجيل أصوات نسائية و كان هذا فتحا جديدا و إضافة للمكتبة السودانية فسجل لمطربة التم تم فاطمة خميس 1928 و أم حسن الشايقية. كما كان يقوم بتصميم ملصقات بها صور الفنانين و التقويم السنوي و ظروف الخطابات إطلاق أسماء رنانة جاذبة عليهم مثل "عصفور السودان" للفنان إبراهيم عبد الجليل و "فنان السودان كله" للفنان عبد الله الماحي و "فناني الذوات" لعوض و إبراهيم شمبات، الخ، و كل ذلك في إطار نشره و تعريفه بهم (26). امثلة لذلك"


كانت من أهم انجازات مكتبة البازار قيامها بطبع أول ديوان للشعر الغنائي في تاريخ السودان و هو "ديوان السياحة النيلية في الأغاني السودانية للشاعر السوداني الشهير الشيخ أبو عثمان جقود" في العام 1927. و توجد نسخة نادرة منه في مكتبة معهد الدراسات الشرقية و الأفريقية في لندن(1).

كما كان ديمتري فعال و خلاق و آرتستك ... ففي اسطوانة "غصن الرياض في غصونه ماح" مع نهاية الصولو (العزف المنفرد) لعازف الأكورديون وهبة بتسمع صوت ديمتري يقول بشكل لطيف: عاش إبراهيم عبد الجليل عصفور السودان (24).

ديمتري هو أول من امتلك عربة في السودان في العام 1930 و كانت ماركة فورد، و لم يكن أحدا في السودان يملك عربة إلا الحاكم العام و السيد عبد الرحمن المهدي و السيد علي الميرغني حيث كانت عربة ديمتري رابع عربة.

تم إغلاق مكتبة البازار بواسطة المستعمر في العام 1955 بدعوي إنها تلعب دورا في النرويج لفكرة وحدة وادي النيل ضد الوجود البريطاني في السودان. عمل ديمتري بعد ذلك صرافا عند التاجر اليوناني بابا كوستا و لكن عندما وصل خطاب باسم "محمد ديمتري نيكولا" إلي متجر كوستا صرفه من العمل بدعوي انه لا يثق في "يوناني مسلم" (1).

رفع ديمتري شكواه إلي الرئيس إسماعيل الأزهري الذي تعاطف معه و كتب لوزير الإعلام لتعيينه موظفا بالسلك الكتابي و ظل يعمل موظفا بقسم البرامج في التلفزيون (26) حتى أحيل إلي التقاعد (1).

يقول معاوية؛ "بقي ديمتري في داره الآيلة للسقوط في حي بانت الأم درماني العريق حيث ألفيته يعيش كفافا بعد أن تقدم به العمر. و كان وفيا لمكتبته و مخلفاتها التي ملأت غرف البيت و ممراته. و ما انفك أصحاب الوجد القديم يفدون الي داره لشراء اسطوانات العشرينيات و الثلاثينيات و المجلات التي توقفت عن الصدور منذ عشرات السنين. و مع أن محمد ديمتري كان قد طعن في السن إلا أنه كان يندفع بعصاته حين تطلب منه اسطوانات و مجلات قديمة(1).

و يستطرد معاوية "باع ديمتري جميع نسخ اسطوانات حقيبة الفن للإذاعة السودانية و لم يكن بقي لديه حين زرته سوي عشر اسطوانات زاره احد مقدمي برنامج "حقيبة الفن" من إذاعة أم درمان فاشتراها. و لا يدري ديمتري أأخذها الرجل لنفسه أم لمكتبة الإذاعة"(1).




ليست هناك تعليقات: